Javascript DHTML Drop Down Menu Powered by dhtml-menu-builder.com


أحتاج أن أموت قليـلاً


لين الهاشم - جريدة السفير - 18-07-2012
عندما يدبّ فيّ الضعف هكذا، كمن لم تقف على رجليها يوماً، كم أحتاج أن أرتمي فجأة فوق ركبتيك بجسدي الهزيل. أجلس في هذه الحديقة الفقيرة التي تبدو لي الأخيرة في هذه المدينة الرمادية الخالية من كل أشكال الحياة، وحولي يدور هذا القط الذي لا يتوقف عن المواء. كم أريد أن أخبرك عن ليلة أمس. كانت جميلة جداً، قدت إلى بيت الدين لأشاهد عرض كركلا. كان مشواراً جميلاً. كلما ابتعدت عن بيروت، خفتت الأضواء وقلّ الناس وكثرت أشكال الحياة. فكرت بك كثيراً، غنيت «حوّل يا غنام» بصوت مكسور لا أجد له رتقاً. شعرت بحاجة لاحتضانك. كيف أفسّر لك هذا الحزن الذي يشقّ قلبي ويمرّ فيه؟ تجتاحني نوبات الحزن هذه كثيراً، وتؤلمني، تؤلمني جداً كالفقدان. أفتش عن سبب هذه الكآبة المرّة المذاق في حلقي، ولا أجد جذراً لها. لعلّه هواء هذه المدينة؟
تتقن هذه المدينة امتصاص الطاقة على الأمل، وتتقن بعثه في آن. يؤلمني رأسي، لا أريد أن أفكر في هذه المدينة التي تشبه حباً قديماً رابضاً فوق القلب، لا يعود ولا يرحل. يرتخي جسدي المنهك فوق الكرسي المنخفض. كيف يمكن يدي العاجزة عن فعل شيء، أن تكتب؟ يبدو أن الكتابة هي ما يتبقى بعد العجز. أريد أن أقرأ لك يوماً ما.
لماذا في هذه المدينة خوف كبير؟ أريد بعض النبيذ الأبيض أو الزهري، لكنه مرّ المذاق، كطعم كآبتي. أحتاج أن أكلّم أمي في الهاتف، في حضرة صوتها كثير من هدوء الحنين والطمأنينة الطفولية للذي لم يأتِ بعد. تعيدني إلى هناك، إلى حيث لم يحدث شيء بعد، إلى وقت خالِ من المعرفة.
لماذا في هذه المدينة غضب عارم؟ أشعر به على وجوه المارة ورواد المقاهي وركاب السيارات والشرطي والباعة. أخافهم جميعاً. أريد أن أعود إلى اللاوجود، إلى اللاوعي، حتى تنتهي هذه المدينة، أو تتوقف عن أفعالها البائسة.
أريد أن أخبرك عني، عن هذه الندبة الكبيرة على يدي اليسرى، وعن الكسر المؤلم في قدمي اليمنى، وعن ألم دائم في معدتي ورقبتي وأسفل ظهري وركبتي. أصرّ على النهوض والسير كل يوم، ويصرّ هو على الازدياد. أريد أن أخبرك عن خوفي الهوسيّ من التعرض للأذى أو المرض أو الموت، الذي لا أجد له مخرجاً. أحمل شراستي في جيبي وأخرج، وأشهرها صوب قلبي كي يتوقف عن الشعور. هل ما زال من مكان للفرح في هذه المدينة؟ ربما في ذاك المنتجع الجديد الذي يلمع نظافة وترتيباً ومعايير عالمية للضيافة واللياقة، على الزيتونة. ماذا يفعل سكان المدينة ليفرحوا؟ أين يلعبون، ماذا يأكلون، كيف يضحكون؟ أنا أكثر تعباً من أن أتنفس، وفي رأسي دوار يشبه الدوار الذي يصيب عند سماع دوي القذيفة الأولى.
تقول أمي إن هذه المدينة كانت أكثر فرحاً في الحرب. أصدقها. يقول زوار المدينة إنها عدائية، تستبعد ولا تستقبل، تطرد ولا ترحب. أصدقهم. لا أنتمي إلى هنا، لا أنتمي إلى كل هذه المقاهي والشوارع والمنازل والمطاعم والحانات والمكاتب والتجمعات. أريد أن أعود إلى ضيعتي. لكني لا أملك بيتاً هناك، وضيعتي عدائية، تطرد ولا ترحب.
أريد أن أخبرك عن مدرستي الأولى، و«أروى» التي صنعت لها بطاقة ملونة كبيرة قبل أن تُتوفى في مستشفى سرطان الأطفال. كانت صديقتي المقربة، بعينين سوداوين كبيرتين، كعينيك. أريد أن أخبرك عن خالتي التي تشبه وجعاً جميلاً في زاوية قلبي، وعن الضاحية التي تحفر نفقاً طويلاً بين عينيّ. أريد أن أخبرك عن كل المشكلات التي افتعلتها في صغري دفاعاً عن أخي. كان أجمل طفل في هذه المدينة. أريد أن أبكي قليلاً أمامك، كمن تخلع كل الأردية دونما خوف. «لأنّ البكاء يحرر العاشق، وهو عاشق، ولا شيء يحرره»(*).
أحتاج أن أخبرك كل شيء. لماذا لا يضحك القلب كما الوجه؟
بشعة هذه البنايات، بشعة كغرف المستشفى. المستشفى أكثر حياة منها. المستشفى؟ أذكر جدّتي. لم أبكِ كثيراً يومها، لكن كثيراً مني انكسر.
أريد أن أخبرك عن «آمال» زوجة عمي التي أفتقد، وعن رائحة الغاردينيا على شرفة عمّتي. عمّتي نحيلة جداً، أخاف عليها، وأودّ لو تتناول الطعام أكثر كي أصدق أنها بخير. لا أزورها كثيراً، لكن يكفيني أنها هناك. أشتاقهم جميعاً. لماذا هذه المدينة لئيمة جداً، لا تنفك تمنعني من زيارتهم؟ أريد أن أخبرك عنهم، لعلّ قلبي يكفّ قليلاً عن أذيّتي.
لماذا أبكي هكذا؟ لماذا لم أتخلص من هذه العادة بعد؟ ينهمر الدمع ويمتلئ فمي بطعمه المالح، ويختنق مجرى الهواء بين أنفي وحنجرتي، لكني لا أصدر أي صوت. لماذا لا أصرخ؟ أسعل بدلاً من أن أصرخ. يشتدّ السعال، وأبتلع الصراخ ليرجع إلى داخلي راضياً مرضياً، ثم تبدأ آلام الرأس ولا تتوقف حتى أنام وأحلم بشيء حلو، مثل عينيك.
أحب أبي كثيراً. أريد أن أخبرك عنه، وعن سعاله الليلي أيام كان يستفيق باكراً جداً ليذهب إلى سوق الخضار ويشتري بضاعة لمحلّه الصغير. أذكر يديه القويتين المتورمتين برداً. أريد أن أقبّلهما لوقت طويل، لو يتركني. يخجل أبي سريعاً عندما أضمّه، ويلجأ إلى إطلاق نكتة ما كي لا أطيل العناق. لو أنه يتركني.
أريد أن أخبرك كيف كنا نهرب من المدرسة معاً لنستمتع بفطور صباحي على البحر، بالرغم من اعتراضات أمي المستمرة. وسأخبرك كيف كان يضع لي فنجاناً من الماء إلى جانب ركوة قهوته، ونتحادث لساعات. هل هناك أب أجمل منه في هذه المدينة؟
تتقن هذه المدينة تركنا معلّقين دائماً بين الإيمان والكفر، والأمل واليأس، والبقاء والرحيل، والحياة والموت.
يبدو أني أحتاج أن أموت قليلاً.



(*) من قصيدة «خلّصني خلّصني» للشاعر أنسي الحاج


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1